Posts Tagged ‘غزة’

بُوسة في الشارع

نوفمبر 2, 2012

 

 

قالها دون خجل أو مواربة من عيون الله المنتشرة عند أفق البحر، أريدكِ. قالها وهويبتسمُ غيظاً من حافة السقوط تحتَ صوت البحر، وهو يمتعض غيرة من صديقه في أحضان الغريبة، ومن صديقه الآخر المسافر طولاً في الصحراء ليحضى بقبلة واحدة فقط من حبيبته على شاطئ اسكندرية، قالها بعد سيل جارفٍ من الشتائم الوقحة على مسامع هذا الكوكب المنفي من بقعة حياة تصلح لعاشقين، قالَ أريدكِ واستبرقت عيناها عشقاً، وانخرط الموج في شبق من التّمني .

عن الحب وغزة والسفر

أكتوبر 31, 2012

على معبَر ايرز، تنتظر في ساعة متأخرة على السفر، جواز سفرِها لأحلامها المنشودة، كان يرتّل عليها التوصيات في قلب الحافلة التي تقلهما، ويغني بأناشيد من التفاؤل والأمل بتحقيق المنشود من الحلم، كان يبكي داخلَ قلبه ويضحك لها خوفاً أن تشقّ دمعة خجول ملمس خدها الوردي من حرارة ذلكَ اليوم. تأخذ الجواز على عجلٍ غير مكترثة بخيبة الأمل المخفية في قلبه بأن لا يُسمح لها بأخذه، تنظر بعينِ المأخوذ بالولع لتأشيرة الدخول لبلاد الغربِ وتبتسم لهُ، تأخذ صوراً تذكارية لهُما وتخفي نيّة مأجلة لسرقة حُضن قبلَ الوداع، لكنّ سرعة الحافلة الذاهبة لمعبر رفح البري تخونها وتخون النيّة بحضن واحد فقط، غزة خائنة للأحلام دوماً.

لم تكُن مصر بالجمالِ الذي اعتادت ترديدهُ دونَ حتى أن تراها، هذا طبيعي، وسط زحمة خانقة من أقارب يحولُون دون أخذ قسط من الحب في شوارع القاهرة، كل ما بدا وقتها أن مصر مدينة الهواء العفن، ومدينة الأناس الكثيرين.

أن تصلَ المطارَ لأول مرة في حياتها، كانَ شعور يفوق الوصف تقديراً، لا تلبثُ أن تشاركَ عرش سعادتها مع الحبيب في البلاد الحبيبة، تبعث برسالة تطمئنه على حالها لتقول في نهايتها" حاسة إني ملكة "، لم تكذب، كانت الملكة الأقربُ الى الله فرحاً وسط طائرة تسبح فوق الغيم تعجّ بالجنسيات واللغات المختلفة، لم يكن بمقدورها أن تستسلمَ للنوم ثانية دون أن تواكبَ شكل الغيم في حركته، أو لحظة وقوع أول حبة برد على شباك الطائرة الموازي لفضاء هذا العالم، كانت تنظرُ بعيون اللاجئة إبنة المخيم ذو الأسطح الاسبست للحريّة لأول مرة في حياتها.

بقعة من الجنة على اتساعِ النظر -سويسرا-، كانت الشهقة الأولى غزلان شاردة في المدى، شهقة أخرى عندما بسط الله راحتيه في خلق شلال يضاهي الجمال جمالاً، الحافلة تسبحُ في غيمة، تفتح نافذة الباص لتغرف ما لذ وطاب من رائحة الغيم ومذاقه الملتصق على كفها،  تقلعُ بأحلامها فوق أعلى قمة في الجبل، المكان المدعو
“End of the world” لم ينتقص الاسم من معنى هذا المكان شيئاً، لقد كان نهاية هذا العالم حقاً، لقد كان الجنة.
في الغرفة الزجاجية حيث السرير المصنوع من الريش،( ليس عندي أدنى شك بأنه لربما ريش طاووس أو نعّام) ، حيث التقاء الغابة تحت النافذة، المقابل لها جبال الألب البيضاء، المسبوقة ببحيرة تشبه البحر في اتساعها تسبح فيها بجعتان وبط وإوز وتتدلى على ضفافها أزهارٌ بكل ما تعرف ولا تعرف من الألوان والرائحة الزّكية.سيدة تلقي التحية بالفرنسية وتُبدي اعجابها بالشال المطرّز على كتفي، أبدأ في الغناء لها ولزوجها المبتسم دائماً بالأغنية المفضلة عندي " طل سلاحي من جراحي يا ثورتنا طل سلاحي" تصفّق، وأختلي بعينين أغارهما دمعٌ وكتير من التمنّي – لو أنه هُنا-.

في العودة بعد أكثرَ من اسبوعين كانت القاهرة تختلفُ تماماً، كانت كالطبيعة المخيلة دائماَ في ذاكرتي، كانت الرفقة أجمل، المقاهي والنظرات المتسللة لأشكال المارين التي تبؤكَ بحضارة التاريخ، الوجوه السّمراء، وميدان الثورة والشهداء، والنيل العظيم، والتمثال المختبئ تحت التشييد، والعاشقين على ضفاف النيل، حتى المعكرونة التي أفشل ولأول مرة في طبخها كل ذلكَ ذكرى مختبئة وإن خانتني اللغة في وصفِ بساطتها وحريتها المطلّة على شُرف الهواء الخشن في غزة، مصر كانت سيدة البدايات والنهايات في خلق الفرص مع الحياة، وأم الدنيا لتحتضن اللاجئين بأحلامهم وأحاديثهم الدائمة عن الوطن والثورة والحرية، أم الدنيا لتجمع أصدقاء تفرقهم غزة كعادتها المنشودة في صناعة البؤس والأقاويل. كانت غزة في ذلك الوقت هوسُ الجمال والاشتياق والعودة سريعاُ لحضن الوطن لأنشد الأشعار في الغربة وقهرها. لم أكن في ذلك الوقت بكامل الصراحة والجرأة التامة لأقول أن الهوسَ هو العودة لأحضان الحبيب، لم يكن اشتياقا لغزة، كانَ الاشتياق له فقط، وكانَ الهوس هو الهروب بعيداً عن غزة وأحلامها المهترئة .

كانَ حريّ بها أن تدركَ مآل الحال عندما حاولت دون تردد أن تحضنه عندَ أول لقاء بهما بعد أسابيع تكاد أن تكون قروناً، كانَ لا بدّ له أن يذكرها بخجل وبعيونه الممتلئة بالدمع شوقاً أنها ما عادت في بلادِ الحب والحريّة، ليكون أول الحديث حينها سيل من الشتائم على مدينة اصطفاها الله لتكون مدينة الموت الخائنة لكل معاني الحب، المدمّرة لأبسط حُلم ينبتُ بين مفاصلِ صخرة نقشَ عليها الحب قسراً، غزة التي ينعمُ بخيال ظلّها أغنية حزن وجنازة عاشقين. والتي تصرّ أينما ولّ محبوب قلبه على صفعهِ مراتٍ إن فكر بقطع الشارع ممسكاً يد حبيبته، هذا نصيبُ الحبّ في غزة، وهذا نصيبُنا منها.