الزّمن الباقي

 

SAM_1903

“هذا محمّد علي/ السّبع محمد علي “ ما يقوله جدّي عند الحديث عن أباه المتمثل بكل قصّة يمكن أن يرويها لنا عن البلاد، جدي وهو أصغر أبناء محمد علي وفاطمة كان المدلل بينهُم وله امتيازات عدّة في الدّلال كان له “ حذاءين “ من القماش، و”خرقة “ يضعها على رأسه، كانت مزركشة يتباهى فيها بينَ أبناء جيله من الفلاحين الصغار، ولم يكُن ليخرج الساعة الثانية ليلاً من هربيا على ظهر الحمار الحامل لسحارات البرتقال والجوافة لبيعها في أسواق المجدل وحده، بل كان يصحبه أخاه الأكبر سناً، في حين أن الاخوة الذين يكبرونه ببضع أعوام فقط كانُو يتحملون رعبَ الأحراش أنذاك، هذه الرحلة التي جمعت بين أخت جدتي البكر مع أخ جدي، والتي أشعلت الحب في قلب جدّي قبل سنوات من الزواج /وكان الارثُ العظيم من الدلال بندقيّة، هذه البندقيّة التي لازمته عُمراً وكانت شاهد العيان الأكبر على هجرة 48، كان يختبئ في زاوية من زوايا “بابور المي “ المنتصب على تلة في هربيا مطلق العنان لفوهة البندقية بأن تتلذذ في مواجهة طائرة حربيّة، ولكن لصدق الرواية التّامة نقلاً على لسان جدتي كان يغني مع الثوار من أبناء القرية وهُو يبكي مطالباً بحضن أمه، هو لم يتجاوز الرابعة عشر وفي يده بندقيّة، اشتدّ وقع الموت على القرية فلاذ الجميعُ بالفرار كما الجيوش العربيّة في ذلك الوقت تماماً، وبقيت الأرض حبيسة الوحشة والباقي من أشلاء الشهداء.
البندقية عاشت دهراً واستسلمت كما باقي أسحلة المخيّم سنة 1967، عندما تمّ زجها في ما يسمى الأن “ بركة أبو راشد “ في مخيم جباليا، البندقية التي شهدت ما شهدت عن البلاد اختفت، لكنّ الزمن الباقي في ذاكرة الأجداد يُحيي الأرض الخراب وذكريات البندقية.

SAM_1912

أمّا هذه الجميلة فهيَ “ ستّي شمة “ بصحبة البريطاني الجار “ ويمن “، بعد الهجرة بأشهر، لا أدري أي حضن وابتسامة هذه التي تجعلُ من هوية محتل ولاجئ أن تُظهر صورة بهذا الجمال، جدتي كانت تعملُ لديهم وهذا العمل الذي أكسبها بعض الكلمات الانجليزية التي تحفظها عن ظهر قلب لهذه اللحظة، وهذا العمل وطيب المعاملة التي عاملوها لجدتي في بيتهم المقام على أرضنا هُو ما أبكاها عندما منعها عمّها من زيارتهم مرة أخرى لأنهم انجليز، هذه الصورة اللقاء الأخير بهم، وبداية المعاناة الأزلية بسببهم .

SAM_1904

هذه الصورة بعد أن اكتمل الحلم الذي بدأ في الطريق من هربيا للمجدل، اكتملت العائلة مع جنين سيسمع قصة البلاد عن والديه للمرة الألف، بين هربيا والمجدل سطّر الزمن قصّة حب الأرض، وأكمل مسيره لنيسان جاعلاً من خرافية القصيد “ الطريق الي البيت أجمل من البيت “ حكاية جديدة تسطرها أسطحُ اللاجئين في الحُلم الممتد من هربيا الي المجدل بقافلة من زهر البرتقال ورائحة الجوّافة وذاكرة الأجداد .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: