Trois Couleurs

 

three-colors-dvd

ان قادتكَ الألوان الي نسج حكاية ما، فهوَ أمر طبيعي، طبيعي جداً أن تمتزج مخيلتك بعطر قديم للون قد خضت معه حكاية غرامية في أيام المراهقة الأولى فستان المعشوقة الأول مثلاً أو شال جدتك التي اعتدت أن تزيله عنها لتعد شعر رأسها وتضحك وسط كومة الأحاديث التي تخبرك اياها عن البلد ولون تراب البلد، ولون فستان زفافها المزركش بالليرات الذهب، يمكن لأي لون يقع بين يديك صدفة أو من غيرها أن يجعلك شاعراً أو كاتباً أو عاشقا من حيث تدري ولا تدري، لكن أن تكونَ محترف للدرجة التي لا تُعقل لصناعة الألوان ذاتها فهو ليس بالأمر الطبيعي أبداً .
كريستوف كيسلوفسكي هذا البولندي النابغة الذي يصيرك كيفما تشاء له كاميرته، فيجردك من كل شئ تحمله إلا الجمال، لتصبح أسير اللحظة واللّقطة واللّحن والصوت والمشهد .
الألوان الثلاثة سلسلة الأفلام التي اختتم فيها حياته ليفارق العالم اثر النّوبة القلبية الثانية، وابتدئت أنا فيها المشوار لأعمال لكريستوف ليوصلني أخيراً الي سدرة المُنتهى من الجمال والعبقرية المُفرطة في حياكة القصّة وربط ثلاث ألوان مع بعضها البعض. الغريب أن هذه الألوان تنسكبُ واحداً تلوَ الآخر في ذات الوقت نفسه، فتشاهد المرأة العجوز في الفلم الأول تمشي بأكتافها المعقوفة لتحاول بصعوبة رمي الزجاجة في سلة النفايات في الوقت نفسه ينظر اليها بطل الفلم الثاني ويمشي، لتساعدها أخيراً بطلة الفلم الأخير أحمر، هذه الحبكة في كل مشاهد الألوان لا يسعني إلا أن أشهد وببصم أصابعي العشرين أنها متقنة بشكل مُرعب لا أنت فيها تعرف ما الفلم الذي ابتدأه للتصوير وما هُو المنتهي به، كلها نغم مُوسيقى يمشي برتم معيّن .

أزرق/ الفلم، كلّه وبدون استثناء أي مشهد ما هُو الا سمفونيّة موسيقيّة معزوفة بدقة غير متناهيَة، صوت الحادث، صمت الفاجعَة، وعبث الريح بالللألئ الزرقاء المُعلقة وتنهيدتها في فراش الحُب، كلّها أصوات تُخرج تلكَ المقطوعة التي ينتظرها العالم من رفات زوجها الموسيقار المشهُور، في الوقت ذاته التي تستمر الموسيقى في الدّوران تنظرُ لنفسها في عينيها وتبكي .

أبيض/ هذا اللون الذي لا يحملُ أي معنى لخلاصة الفلم الا بالثلج الذي يغطّي المكان. الفلم الفاجعَة بين الحُب والجنون قصة الرّجل الارلندي الذي لم يثبت رجولته عند زوجته الشّقراء، فيعيش حياته ليُوهمك أنتَ – المتابع بكل شغف – بالذّكاء الذي يمتلكه للحصول على المال والنّفوذ، وليصدمك في براءة عينيه ومقدار حبّه بكم الجنون الذي يحيط بعقله، ليتخلى في النهاية عن كل شئ في سبيل ليلة حٌب وانتقام .

أحمر/ هُو التعويض العادل عن مآسي الألوان آنفة الذّكر، هيَ عارضة أزياء تتعثر مع الوقت برجلُ التنصت على المُكالمات، الرّجل الذي يوقعك في كومة التساؤلات ويجيبك هُو أيضاً عليها بتنبآته بحال الجيران الذين يربطهم به مكالمات هاتف يتنصّت عليها
هذا الفلم الأروع بينهم على الاطلاق، فهو قادر على سلبك كل الوقت من جيبك وقادر على صناعة حالة التّرقب للقاء الذي سيجمعُ ذلك الشاب بفتاة الفلم الهادئة، وقادر أيضاً على مفاجئتكَ بالنّهاية التي تجمعُ الألوان جميعها .

هذه الأفلام/الألوان الثلاثة أعجزتني قبل مشاهدتها من كثر اطراء صديق لي لها، فجئتها وأنا جائعة كل الجوع لمعرفة السّر الذي تكتنزه، هذا السّر الذي لن تعرفوه بالتّأكيد الا عندما تخوضون التّجربة وتشاهدوه، كل النّصيحة أن تستمتعو فيه وحدكُم دون أي منغص لحالة الهدوء التي تعمّ المكان .

Advertisements

2 تعليقان to “Trois Couleurs”

  1. Ismail Abu-Shmais Says:

    الأبيض كان أعلاها قيمة في نظري رغم أن كلمة أبيض تجعلني أقف على حافة دقيقة بين الرعب و بين التوجس. شعرت أن كيشلوفسكي أضاف إلى جحود البياض فضيلة من ذاته، ليكشف بصراحة لم تعرف عنه أدق تفاصيل الخافية البشرية.
    كنت أسأل نفسي:
    كيف اقترب كيشلوفسكي من لون أيأس كل الفنانين من وضعة في صورة مفهومة؟ لون صاحب صفة روّاغة، إذا ما فصل من القرائن الوديعة اللطيفة وصل بشيء مرعب.
    كيف استعان هذا العبقري بالغامض الذي لا لون له!؟ بالأبيض الجامع للألوان جميعا! ليستحضر من مكر دلالاته تقلب الإنسان بين الحب والانتقام.

    جمال التوصيف يشعرني بالغبطة، يتوجب علي مشاهدة الثلاثية من جديد و خصوصاً الأحمر، كأني اكتشفت معنى جديد لم ألتفت اليه إلا بعد قراءة تدوينتكم.

    • watan Says:

      لا أنفي إطلاقاً يا اسماعيل القيمة التي يحملها الأبيض، بالعكس كانت المفاجئة بهذا الفلم أن يحمل هذا الاسم بالتحديد، النهاية التي تقودك الي تأويلات النفس البشريّة في الحب والانتقام والتفاصيل البسيطة التي لا تتوقعها إطلاقاً، ربّما لأنني من مُحبّي النهايات السعيدة دوماً كان الأحمر هُو الأقرب اليّ، لكن هذا لا يعني أن الأحداث التي تنتهي بصدمة ما هي التي تخلّد في ذاكرتي ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: