ذكرى ومخاض حديث

 

ولأنني أحب الحياة ما استطعتُ اليها سبيلا،ولأنني بعيداً عن هذا المكان كالمنفيّ في الفراغ، لا هُو يفكّر ولا الهواء يسعفُه فيتنفّس، قاومتُ هذا الجفاء الذي تربص بي منذ آخر تدوينة لي حتى هذه اللحظة، لذا سأرسم طريقاً لأقول الكثير على مهل على أمل أن تسعفني الذّاكرة لأقصّ على مشارف القلب العمر المنقضي في حضرة الغياب ..
في هذه اللحظة من هذا اليوم تحديداً في آخر ورق لتشرين يتأرجح للسقوط، وفي قدوم أوّل الغيث /


– في هذه اللحظة الخارجة عن الوقت، هل أجمل من الحياة ؟
– أنا أجمل

– كيف تفوّق جوابك على سؤالي !
عبثية تفكيرك جعلت لاجوبة سؤالك حدود ، دونَ ان تاخذكَ الي ..
-إلى..؟
-إليّ..إليّ أنا .
-كيف يقطعُ سيفك بهذه الرشاقة ؟
– رشاقته في حدته التي علمتني كيف أصقلها .
-عبثية تفكيرك جعلت لاجوبة سؤالك حدود ، دونَ ان تاخذكَ الي
 
هذه الجملة.. جُملة. 
-جملة في صفحة واحدة ، والباقي من الصفحة بياض
الباقي أثرها، لا يمكن لصفحة أن تتحمل جمالها بالإضاقة لاشياء أخرى
-لهالدرجة يعني جميلة ؟ 
-أكثر
-ماذا تتمنى لي شيئاً أكثر من جمال تلكَ الجملة
-هل هذا اللايقين بعِظم جمالها ؟
-هذا ما يتمناه أب لصغيرتِه قبل أن تنام
-أتمنى لكِ ما يتمناه أب يمسك بيدي طفلته يدربها على المشي، وتضحك 
  أتمنى لك ما يتمناه نبي لقومه 
  أتمنى لكِ سعادة بقدر ما تسعد بها المراهقة بعشيقها الأول.
-بكل هذهِ الاماني ، لا مكان إطلاقاً الا للضحك ، للحب والسعادة 
  وانا أتمنى لكَ بهذه الليلة مطراً
-لم أعرف مبعث شعوري أن هذا الشتاء سيكون دافئاً على صدري
-هذا من ضمن ما أنا اكيدة به لنفسي
جلّ ما اتمناه فقط ألا يجلب لي الحماقات

لم أكُن لأنسى يا صديقي المُتمرس في خداعي أنني قاومتك وبشدّة كي لا أخونَ زهرة الياسمين، وأصابَ بجنون الحب والموتِ معاً، لم أكن اعرف وقتهاً أنني بغير دراية منّي أفتحُ شهيّتي للشتاء وحماقاته وأقع في شراك الخيانة الوهمية لجارة القمر وأتحدّثُ عنكَ لصديقتي فتقول عاشقة فأتجهّم وأرتعش لكنّني لا أنفكّ عن مواصلة الحديث عنكَ، كأنّك مس أصابني به ذلك الجنّي الصغير المتربّص بنا في كل لقاء على شرفة اللغة ..
بعد كلّ هذه السنين يا صديقي، أعود لأتذكرك- أنا التي لا تنساكَ أبداً- أعود لأمارس معكَ اللغة كما غنّيت لي لأول مرّة، أعود لأحبّك كما أحببتني للمرة الألف .


كنتُ أشعرُ بضيق الصّدر إن احتفلتُ بالعودة لهذه التدوينة دون التعريج على فرح الوطن  الذي زغردت له السّماء بخروج الأسرى المُحررين، أذكرُ وقتها أنني وقفتُ أمام هذه الشاشة وقوف العاجز تماماً عن التفوه بكلمة، لأستخلص في النهاية جواباً شافياً كافيا. من أنا لأصبّ خمر الفرح على وجه المدينة؟  من أنا لأكتب فيهم، لأكتبَ لهُم، ومن هي اللغة أمام بركان الفرح الذي يثور في صدري لهذا اكتفيتُ وأكتفي بالقول بأنهُم أكبر منّا جميعاً، أكبر من الذي قيلَ وسيُقال، أكبر من لغات العالم إن اجتمعت، لهذا شكراً للعجز الذي أصابني لأحتفي بالكلام لنفسي ونفسي فقط .

/
أنا امام كومة الأحلام التي تتربّص بي،هذه التي تأخذني أينما شاءت وحلّت  وتفتكُ بي من كلّ حدب وصوب، أنا أمامها كلّ شئ في عدمه، أكونُها السّيد والعبد، الآمر والمأمُور ومتعبٌ هُو السّؤال الذي لا يفارقكَ أبداً متى ستنتصر؟ في حكايتي مع الغياب المُنصرم كانَ الفراغُ دخيل الوقت، دخيل كلّ شخص أصادفه، ودخيل كل شئ أقع في حُبه، فتعثّرت في متاهة الامنتهي من العَدم، اللامنتمي الاّ لنفسه وأسئلته العاقِر. وحدّثت نفسي والاله كثيرا “ ليتني حَجر “ فأهلكني سؤال آخر “ من أنا لأخيب ظنّ العدم  ؟ “ *

/
مخاض الحديث فيما أود البوح فيه على الملأ يستنزفُ طاقة كانت جديرة بأن أكرّسها في حًبّ هذا اليوم أكثر أو في مشاهدة إحدى الأفلام التي تنتظرني بشغف مُطلق أو في أيّ شئ يقُودني بشكل أو بآخر الي نفسي التي أشتاقها في ريشة أو حبرُ قلم ..
سأكتفي بأن أنظرَ في المرآة وأقبل نفسي عشر وأبتسم .

                                                                                         *محمود درويش

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: