ثورة، اثنان، ثلاثة

 

كنتُ أودّ ويالا شدّة ما كُنت أودّه من حديث يدور في خلجانِ الصدر من كتابةٍ على هامش الثّورات العربيّة أو في قلبها، عن مناوشاتِي وتملّقي أحياناً من أحدهم عندَ حديثه عن ثورة تونس ومصر وصولاً لليبيا، عن تأييد أختي التي تصغرني بسنتين يومياً للثورات وحقدها على مُبارك لتعود يوماً لتُناقشني وبتطرّف عن مهزلة الثّورة وعِظم مبارك الرئيس وإنجازاته العظيمة مُعددة عدد المطارات وميترو الأنفاق وغيرها..هذا لأنّ دكتوراً جامعياً صبّ السّم بالدّسم، كُنت وبشدّة أريد لمدونتي أو دفتري الصغير هذا أن يُسجل كلّ ما في قلبي وصدري معاً لا ليُشارككم بل كي لا أنسى وأنا كثيراً ما أنسى كل حدثٍ صغير يمرّ صدفة في الطّريق الى مجهول أو معلوم. لم أكتُب حينها لأن صغيراً استاءَ من سلكٍ معلّق على شُباك غرفته فقطعهُ وقطعَ الهواءَ عنّي، هذا الصّغير لم يعلَم حاجتي المّاسة لرشفةٍ من العَرق لأكتبَ وأرسمَ وأرقص وأغني وأشاركَ العالم ثوراتها وهذا لا يعني أني لم أفعل كلّ ما سَبق لكن حرارة السّلك المقطوع تجيدُ اشعال الحرارة في جسدي بشكلٍ أكبر ، هذا ولأنّني عُدت هُنا سأتذكّر بصوت مرتفع ..

عن مصر ..
أذكرُ زيارة واحدة لمصر كُنت فيها بعمرٍ لا أذكره ولكنني أحفظ شكلي وملابسي ونظرتي المُستاءة للكلام الذي لم أكن أفهم معناه أبداً، وطعمُ الماء الذي لم استصيغهُ أبداً لازال في حلقي، كانت مُجرّد زيارة لمصرَ ومعالمها وأخذ الكثير من الصّور بجانب كُل “ حتّة “، يومَ أن عُدت لغزّة استقبلتنا جدّتي بابتساماتٍ وجدّي بوجه عبوس كعادته، واستقبلتُ أنا مياه غزّة كأنني لم أذق الماء يوماً، اليوم بعدَ أن عرفت ومنذ زمن المياه المعدنيّة والمياه المفلترة عادت لذاكرتي ذاكَ الماء الذي كانَ مُراً بوصفي له آنذاك، لا ذكرياتَ لي كثيرة مع أم الدّنيا ولكن يكفيني أن رحماً مصرياً أنجب لي الحياة لتبدأ سلسلة من الذكريات لي معَها، لا أذكرُ  يوماً بأنّ مصرَ كانت على خارطة أحلامي بالدّول التي أتمنى زيارتها ولكن ميدانُ التحرير خيرُ محرّض على زيارة مصرَ وحُب مصر وحُب أهل مصر، هذا وبالمُناسبة التي سبقتها صُدفة عابرة  قرأتُ اليوم عزم “ أوبرا وينفري” اقامة احدى حلقاتها في ميدان التحرير، شاعرةً بأحقيتي أنا وأحقيّة كل واحد منّا يشتهي أن يجُوب ميدان التحرير طولاً وعرضاً من هذه المرأة  التي قبلت الدّعوى تنشيطاً للسياحة في مصر، لا يهُمني الخبر الأن كلّ ما يثير في نفسي الكتابة الآن هيَ مصر، مصر وفقط، مصر بعلمها الذي انتصبَ للأعلى مُجدداً، وبثورتها التي انتصَرت وبفرحتي التي ملأت السّماء عندما استمعتُ لخبر تنحّي الرّيس، وبالزّغاريد التي أطلقتها أختي الصغيرة عندَ سماعنا للاحتفالات بشوارع غزّة غيرَ مباليَة بالمُشكلة التي سببها صوتُها عندما أزعجَ جدّي وأفاقهُ من نومه وهو “ بسابع مُوتة “ أقصد نومة على حدّ قولهِ، اليوم وبعدَ أن عادَ النّبض لجهازي المحمول سأسترجعُ الذكرياتَ لا لكي لا أنسى بل لأشاركَ العالم أجمع ثورة شعبٍ أرادَ الحياة فانتفض.

عن ليبيا ..
ربّما كُنت ولا زلتُ أجهل أسماء المُعظم من رؤساء العرب الكرام، لكن “ القذّافي” إسمٌ لامعٌ في الوسط الاقليمي والمسرحي والسياسي لفتاة لم تُكمل من العُمر التسعَ سنين، كانت غرابتي واضحَة عندما رأيتُ القذافي لأول مرّة أو هكذا أذكُر على احدى الشاشات مُشيرون الى أنّه رئيس الدولة الليبيّة، فالرئيس وكما كانت تملي عليّ مخيلتي رجلٌ بحرس وربطة عُنق وحذاء أسود يلمع أما هذا كان بعمامة كُنت أصفها يومها “ بالشّرشف “، خابَ الظّن عندما قُلت بأنه “ غير شِكل “ مُشيرة يومها الى أنه “متواضع”، لكنّي أشهد الآن بأنه “غير شِكل” اشارةً مني الى أنه “ وضيع “، بالاشارة للوضاعة بالغباء والدّموية والقتل والسّفاهة وأشياء كثيرة أبحثُ بجديّة عن الوصف الدقيق لها، والمُحاولات فاشلة لكنّ الأشياء تلكَ تكثُر وتكثُر …
في ليبيا لا أحمل أيّ ذكرى، ولا أحفظ من شكلها شيئاً، فهيَ مجهُول لم أتطرّق اليه يوماً لا حقيقة ولا الكترونياً، ولم أعرف عن تاريخها سوى “ عُمر المُختار “، وثورات قامت قبلَ عُمر منّي وأكثر من بعض كُتب التّاريخ ..لكنّها الآن تقلبُ موازينَ معرفتي وتصنعُ مفارقةٌ لثورة جارتها الشّرق والجارة في الشّمال الغربي، مُفارقة عجيبة في نظام جاهلي يقوده جاهل يحفظُ من النّكت ما يحفظ، يضحكُ العالم و الشعب يموتُ لينتصر، أذكر خطاب ملك افريقيا الأول لشدّة ما ضحكتُ يومها أيقنتُ وبشدّة أن هذا الرجل “ رسمي معتُوه “، لكن لسوء الحظّ وحسنه يدفعُ الشعبَ ثمنَ هذا العتَه المُسيطر على عقله الخاوي إلا من البلطجة وكُرسي العرش المُقارب على نصف قرن من الحياة، لكن شعبَ ليبيا أبى إلا أن يصنعَ من نفسه أسطورةً من الثورة ووجعها  التي تشهدُ لها سبعُ سماوات وعرش يستوي عليه الرّب، ويصنعُ لي أعظمَ الذكريات والمشاهد مع كلّ شارع وقبيلة وجبل وثائر، وسأحتفلُ وغزّة عاجلاً بالعلم الليبي وبموت القذّافي على يد الثورة، وسنشهد كما نشهدُ الآن بنضال الشّعب وانتصار ليبيا.

عن غزّة ..
أيّ الذكرياتِ عنها لا أحمل وخريطة كلّ شارع وحارة ومخيّم موشومٌ على جسدي، لكنّني عن غزّة لا أجيدُ سردَ الذكريات كما أجيدُ دقّها في عُمق القلبِ أكثر، لهذا لا حديث للذكريات عن غزّة هُنا، لكنّه حديث بتساؤلات وتمنياتٍ أكبر عن القادم أو عدمه، وبمَا أن كلّ شئ يُحرضني للكتابة الآن عن كلّ شئ أو اللّاشئ، مفترقُ الثورة التي يندّد بها الشارعُ والمروّج لها فسبوكجياً والقائم عليها مجموعة من الشباب قالو “ الشعب يريد إنهاء الانقسام “ وصدى الصّوت باتَ مسموعاً في كلّ أرجاء المعمورة هذا المُفترق الذي يحملُني للمُضيّ قدماً على نهجِ الشّعوب بفرض كلمتها وفرضِ سماع الحُكومات لكلمتها، هذا المُفترق الذي سيضعُ النقطَ على الحروف لنعرف الرأس من القدم عندنا وينصبّ الكاهلُ على النّجمة الزرقاء وفوهة الدّبابة، لا يعنيني بالمُطلق من أنشأ الصفحة على الفيس بُوك، ولا يعنيني أيضاً اندفاعُ الكثيرينَ لترويجِ أنفسهم ووطنيّتهم تحتَ سقفِ تلكَ الحملة/ الثورة، كلّ ما يهمنّي أن مسيرة الميل قد ابتدأت بهذه الخُطوة حتى إن لم تجني الثّمار المرجوّة من الحصاد، وارتقابي وغزّة مرهُون ب15 آذار فإما هُو ارتقاب لانهاء الانقسام أو تعزيزهُ، شاعرة في صميم القلبِ أنّ انهاء الانقسام يأتِي حينَ انتهاء حماس وفتح سياسياً والانصياع للمُقاومة والثورة وتركِ الدّفاتر المُعتّقة، 15 آذار موعدُ غزّة المرتقب جنّة أو عودة للجحيم ..

 

Advertisements

رد واحد to “ثورة، اثنان، ثلاثة”

  1. bahaa Says:

    وكانت عودة للجحيم بكل أسف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: