حبّات الرّمان

 

179218_486600726789_725286789_6548924_767038_n 

1-
تقفُ في نهاية الطريق حاملةً حلمَها وبعضَ الأوراق وكثير من النّدبات التي لطّخت وجهها بعد أن أدماه مرّ السنين والوجَع، تقفُ مكبّلة بين ال “نعم” وال “ لا “ بين الخضوعِ والتّمرد، بينَ نفسٍ صاغَها المجتمعُ ظلماً، ونفس ضاعت بينَ طيّات أوراق زواج حُكمَ عليها قصراً، “ هباءً منثورا “ هكذا تردّد مطلقةً العنان لروحها بوصف حياتها ولكن سراً، فلا صوتَ لها ليخبرَ العالم بوجعِ قلبها وجسدها معاً ولا صوتَ يعلو على صوتِ المُجتمع وإلاَ فقد حُكم عليها بالكُفر وشعار المُجتمع يقول “ صوتُ المرأة عورة “ ..
في نهاية الطّريق تقفُ باكيةً على أطلالِ مجدها الشّبابي، لم تكُن ذكراها وهماً كانت فتاة جامعيّة بأعلى المُعدّلات كانت أولى الدّفعة التي تخرّجت منها حُلمها لم يكتمِل لتكُون سيّدة مجتمع كما كانت تحلُم، ولأن إبن العمّ أولى باكتناز درّة كان لزاماً عليها أن تنصاع لوالدهَا، ولزاماً أكبر أن تتخلّى عن أحلامها لتصبح أسيرة لزوجٍ لا يعرفُ من زوجته إلاَ جسداً، هيَ لا تعرفُ الآن كم من العُمر تبلغ، ولكنّها تعدّ يومياً شعرَ رأسها الأبيض، وتُخفي الكدمات عن وجهها ببضع مساحيق تجميليّة، هيَ ما زالت متخبّطة بين “ نعم “ و” لا “ وحاجزُ صمتها لم يُكسر بعد ..! 

2-
تملكُ من الجمال ما لا تملكهُ زوجةُ أبيها، فكانَ الحُكم أشغال شاقّة مع وقف التنفيذ، كفاح بعيونها التي تسحر عالماً بأكمله لم تستطع استعطافَ عصا انهالت على جسدها ضرباً، تارةً بأيدي الرّجُل الذي أنجبها وتارة بأيدي المرأة التّي ربّتها – على الأقل هكذا تقُول زوجةُ الأب –، كفاح لم تُدرك يوماً بأنها ستكُون سندريلا لكن بدون حذاء زجاجي أو حتّى فارس أحلام منتظَر، ولم تُكن تعرفُ بأنها ستدفعُ ثمن الزيجات الثلاث لأمها الحقيقيّة ثلاثَ مراتٍ بالموتِ، فهيَ ابنةٌ لامرأة ينظرُ اليها المجتمعُ وزوجة الأب بدايةً نظرة إزدراء، لم تُفكر يوماً بأنها ستقدمُ على الانتحار ذات ليلة بعد أن أوشكت زوجة أبيها على حرقهَا بالغاز، ليلتها لم تُفكر بالحلال والحرام كانَ هاجس الراحة الأبدي هُو المسيطر على عقل طفلة لا تعرفُ من الطّفولة شيئاً ..
كفاح، الأم والأب والأخ والمعلمة والخادمة لعشرة اخوة منحتهُم حياتها فلم يتوانو عن سلبها وانتزاعها نزعاً مُدمياً،هي الآن تتمنّى لقاءَ أمها بعد أن عاثَ الموتُ على فراشها  وأوشك على لقاء ربّها حاملةً في قلبها طفلتها الصّغيرة وتوسلات للرّب بأن يُساعدها
في صدر كفاح كونٌ من العذابِ وفراشةٌ تنتظرُ جنّة أو موتٍ مُحتّم !

3-
“تركض بينَ مجموعةٍ من الأطفال، تحكي حكاية تارة وتغنّي أغنية تارة أخرى، ولا تنفكّ عن صُنع قوالبَ من الحَلوى، تستشيطُ غضباً بصراخ أحدهِم لكن سرعان ما يرتسمُ قوسَ قزح على وجنتيها فتنسى الغضبَ ومحاولة جادّة في العقاب، تستقبلُ زوجها بقبلة وابتسامة تنسيه همّ تعبِ يومه كلّه، وتغريه بأطباق الطّعام والحلوى ليبدأ هُو بسرد حكايات عن يومه وعن إنجازاتهِ وعن سائق التاكسي الذي لا يكفّ عن الحديث أبداً، وعن ثورات الشّعوب وأخبار العالم بأسره، فتبتسم بهدوء منصطة بإمعان لكلامِ الرّجل الذي منحها الحياة وأربع أطفال ينازعون الكونَ جمالاً بجمالهم وضحكهم وصراخهم المُتعب والمزعج أحياناً، ملتفّة يميناً ويساراً لتملأ صدرها بجمال هذا البيت الصغير المُعلّق على جدرانه صوراً تذكاريّة وصوراً لرسوماتها التجريديّة المُبهرة بجمالها”
مُلاحظة :
لم يكُن الزّوج والبيتُ والأربعُ أطفال الا حلماً لا يفارقُ حنان مُعلّمة الرسم، التي أمضَت حياتها في خدمة أبيهَا المُقعد الذي لم يكُن يعنيه الاّ شهريّة ابنته من النّقود وحالَ بينها وبينَ أحلامها وبينَ عشرات من الرّجال أتو لخطبتها،
حنان تبلغُ من العُمر الأربعين، والدها توفيَ، وهيَ الآن متخبطةٌ بينَ الحسرة والأحلام ومجموعة من اللّوحات خطّت عليها حكايتها ..

4-
5 أطفال ورجلٌ يكبرُ أباها عقداً من العُمر، هذا الواقع الذي أفاقت عليه تلكَ الطّفلة/ المرأة التي تُشاركُ أطفالها اللّعب تعويضاً عن طفولة لم تعرف الطّريق اليها يوماً، هيَ بجسمها الصّغير النحيل الذي لم يبلغ من العمر الاّ احدى وعشرون سنة، وعقل ما زالَ متعلقاً بأرجوحة بيتهم القديم وبدفتر ذكريات صغير كانت تخبّئ به أحلامها وكثير من الآمال المُعلّقة على شهادات جامعيّة سرعان ما باتت وهم عندما خطّت يدها الصغيرة ميثاق عبوديّة لمدى الحياة برجل عجوز جيب بنطاله لا يخلُو من الملايين، كانتَ طفلة آليّة للانجاب وخدمة الأطفال وأعمال المنزل، لم تعي كيف جرت 6 سنين من عمرها بعد زواجها وهيَ بعُمر الخامس عشر، كل ما تعيه أنها شعرت باليوم سنة وبالسنة دهراً لا ينقضي بسُرعة، أفاقت من كابوس لتعيشَ بكابوس آخر أشد وجعاً، أرملة لخمس أطفال ولا تحملُ في يدها أي شهادة أو عملٍ تقتات به، كل ما أفاقت عليه تجاعيدُ وجهها وهيَ بعُمر العشرين، ومسؤوليّة تحملها على كاهلها الصّغير، وأحلام دُفنت يومَ أن حكمَ أهلها عليها بالموتِ، وخضَعت تاركةً دُماها ودفترها الصّغير معتّق على جدار السنين.

5-
يقفُ الأب بينَ الفرحة التي تختلجُ صدره خفيةَ وبينَ ويلاتٍ من النّدم والصّراخ على جُرمٍ ارتكبهُ بحق ابنته التي حُكم عليها بالموت جوراً وظلماً، كانت عروساً بفستان أبيض وطرحة كلّلت رأسها جمالاً، كان الكونُ لا يتسعُ لفرحة قلبها وصدرها بعدَ أن شعرت بأنها ستبدأ حياة جديدة، زغاريد أمها ملأت الكونَ صدى فهُم وأخيراً سيتخلّصون من عبء الخوف الذي لازمهم سنيناً على ابنتهم، كانَ الارتياحُ بادياً على الجميع فاليومُ عرسٌ وتهاليل وحياة سيباركُها الله بدعوات من الأمهات، لم يعرفو حينها أن اليوم الأبيض ذاكَ لن ينتهي إلا بغيمة من السّواد وصرخاتٍ من الويلات والأسى …
يقفُ الطبيبُ غاضباً حائراً في الكلام الذي سيقولُه بعدَ أن فحصَ الجثّة الهامدة بوجهها الأبيض وفستانها المعجون بالدّم، “ الفتاة قُتلت ظلماً ودماء عُذريتها لم تنزل بعد “ اخترقَ سهمُ الحقيقة زوجها الذي زجّ بتلكَ العذراء لأهلها ليلة عرسها تاركاً في نفسها صدمة لم تنسها حين اخترقَ الرصاص صدرها على يد أبيها، هيَ ماتت مُخلّفةَ كومة من التساؤلاتِ “ بأي ذنبٍ قُتلت “ !

ع الهامش:
القصص أعلاهُ قصص من واقع غزّي حقيقي، عايشتُه مع بعضهنّ وسمعت الآخر مُصادفة

Advertisements

4 تعليقات to “حبّات الرّمان”

  1. عبد Says:

    زواج حُكمَ عليها قصراً،

    الكلمة قسرا وليس قصرا

    مشكورون على مجهوداتكم

  2. مسابقة المئة تدوينة من فلسطين | The contest of 100 Blogposts from Palestine » حبّات الرّمان Says:

    […] اسم المدون/ـة: فلسطين الطناني رابط التدوينة الأصلية […]

  3. israa2suliman Says:

    أحياناً يكون الواقع ظالم وقاسي وصعب !
    أسلوبك في الكتابة قوي جداً ، كلماتك مرصة بالصور الصادقة والجميلة
    والقصص كانت معبرة .

    لن أقول سوى أتمنى لك الفوز ^_^

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: