حلم عَ الطّريق

تنهالُ عليكَ الأدعية والتوسلاتِ عندَ اجتيازكَ لكل نقطةٍ تكتظّ بكَ وبهم ..
تستطيع التملصَ أحياناً من ملاحقةِ أيديهم وتوسلاتهم الملحّة عليكَ بشراءِ ما يبيعونه ، لكن يصعُب عليكَ الفرار من تلكَ لنظراتِ التي تكتسي وجوههم البريئة البائسة .
علي .. كما أسمى نفسهُ ، طفلٌ في الثامنة من العمرِ ، لم يكون يجوب شوارعَ الرمال في ذلكَ اليوم بحثاً عن شخصٍ يدفئ راحةَ يديهِ ببعض البقشيش .. بل ما كانَ منه إلاّ أن يقودَك بإجهاشه في البُكاء عندَ زاويةٍ من الطريق قلّما تجلبُ الانتباه لكَ لرؤيتها ..
برفقةِ صديقاتي ، استوقفني رأسه المغروسِ بين كفيهِ الصغيرتين المُلقى في حجرهِ ، تلتصقُ بجواره علبة من علبِ ” العلكة ” ، ملابسً رثةٍ وحذاءٍ مهترئ ..
شو مالك يا حبيبي ؟؟ ” يتحركُ ذلكَ الرأس الصغير ، نظرةٌ من وجهه المغلف بالدموع ثم يعود لاستكمال سيناريو بكائهِ بين كفيه ، .
نقرر الالتفافَ حوله ، واستراقِ النظرِ لوجهه بسؤالٍ آخر ..
” بدنا نشتري علكة ” ، يتحركُ الرأس من جديد وإيماء بسيط ، يفتح العلبة الملقاةِ بجانبه ، ويقدم لنا علبة علكة مواصلاً تنهيداتٍ له في البكاء ..
نُحاصره بالسؤالِ عن سبب بكائه ، فيقص علينا الحكاية ..
بكاؤه المرهق كانَ إثر ضرب مبرح من ابن عمه الكبير ، عندما وجد بأن علياً لم يبِع حتى الآن أي علبة من علب العلكة ..
دموعُ علي المنهارةِ على وجنتيه لم تستطع أن تخفى معالمَ الكدمات التي تلقاها
يخبرنا أيضاً عن إخوته الثلاثة المنتميينَ لنفس المهنة الموزعينَ في شوارعَ وتقاطعاتٍ مختلفة
يواجهونَ كلّ صباحٍ إلى مغيب الشمس العذاب المختبئَ في شوارع عملهم ، شتائم المارةِ لهم ، ضرب أصحاب الدكاكين والمحلات ، وأخيراً كدماتِ صاحب العمل إن لم ينجزوا المهمة بالشكل المطلوب .
كلّ ما كانَ في نفسي هو شرودٌ ذهني يأخذني لألف علي بقصصٍ مشابهة وأكثرُ إيلاماً ..
ما زال غارقاً في سرد روايته ، يتوقف قليلاً ليقص عليّ حُزناُ آخر لتكتلاتٍ من الأحلامِ تملأ جوفه
عودةٌ للمدرسةِ والكتبِ التي غادرها منذ حوالي السّنةِ كما أمرهُ والده ،
حلمٌ آخر بأن يصبحً طياراً في يومٍ من الأيام ..
أن يجنيَ نقوداً كثيرة ليشتري لأمه فاكهة ” التفاح ” التي تحبها ، ودخلهُ كبائع يحرمه من شرائه بينَ الحين والآخر ،
تنهيدةٌ أخرى ويقول “ كان نفسي أشارك بمخيمات العاب الصيف لأنو ما عمري دخلت مخيم ولعبت ” !
يتوقّف عن الحديث ، وكأنه يستدركُ بأن هناك وقتاً يضيعه بسردِ هذه الأحلام
يمسحُ دموعه ، يرمقني بابتسامةٍ ويمضي ..

Advertisements

2 تعليقان to “حلم عَ الطّريق”

  1. Eng:M.TAHA Says:

    في الغرب نجد أمثال على وامثال ابيه وابن عمه ،، يوظفون الأطفال المشردين وقد يخطفونهم في بعض الاحيان ويدربونهم على السرقة والتسول وقد يقوموا بفقع احدى عيني الطفل او قطع يده او ما الى ذلك ليجذب عطف المتبرع لهذا الطفل ويعملون في جماعات ويلقون سواد الليل في وضح النهار ان حاولو الفرار او لم يأتو بمبلغ جيد ! لكن حقيقة هم لا يدمجون اولادهم في هذا العمل القذر!

    لكن الغريب أن نجد الشرق يقوم بهذه المهمة ولا يمانعون دمج أولادهم !

    القانون الفلسطيني يحظر عمل الاطفال ما دون ال 18 ولكن هل من مطبق !

  2. Mo7amed haj Says:

    كثير منا قرأ قصة بائعة الكبريت

    فما يحصل عندنا ليس بالشذوذ
    ولكن الغريب بالامر اننا نعتبر مجتمع اسلامي
    يحرص على التكافل فيما بينه
    ولكن للاسف
    اصبحنا كل ينظر لنفسه

    قضية اولاد الشوارع من اهم قضايا المجتمع الغزي

    ربما ليست ذات الانتشار الكبير
    ولكنها من الاهمية بمكان ليتم مناقشتها ووضع الحلول

    🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: